الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
294
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
اللّه ، فأرسلت إلى ولده مقدار عشرة آلاف دينار كبكي وخدمته بخدمات غير ذلك . اعلم : أن حضرة شيخنا لم يقبل هدية أحد من ابتداء عمره إلى انتهائه . وكان مولانا أحمد الكاريزي من جملة الأكابر ، وقد تشرّف بأخذ الطريقة عن مولانا سعد الدين . وكان له اشتغال تام بالطريقة ، فغزل من شعر الحملان البيض ونسجه بيده وخاط منه قباء بيده واحتاط فيه غاية الاحتياط ، ثم أرسلها من كاريز إلى سمرقند لحضرة شيخنا برسم الهدية ليلبسه بنفسه . ولما وقع نظر حضرة شيخنا عليها قال : يمكن أن نلبس هذه القباء وتفوح منها رائحة الصدق ، ولكن ما قبلت من أحد شيئا في عمري كله ، فاعتذروا لمولانا من أجلي . وأرسلها إلى كاريز لمولانا أحمد مع رزمات قرطاس برسم الهدية . مر يوما حضرة شيخنا من صحراء بعيدة من البلد بفراسخ ، ومشى جمع كثير من أصحابه في أطراف محفته ، رجالا وركبانا ، وكان الهواء في غاية الحرارة . فظهر بيوت سود من بعيد وتوجه منها ثلاثة أنفار إلى هذا الجانب ، وكان معهم أشياء . وجاؤوا ممر حضرة شيخنا بسرعة وأخذوا طريقه وكانوا من رؤساء أصحاب تلك البيوت السود وقد حمل أحدهم ثنيا « 1 » سمينا على كتفه ، والخر لبنا بطبق كبير من خشب ، فجثى كبيرهم على الأرض أمام محفة حضرة شيخنا وأوقف الخدام خيول المحفة فقال القادم متواضعا : يا خواجة إن هذا الثني « 1 » حلال وقد نذرته لملازميك ، وهذا اللبن طاهر جئت به ليشربه خدمك ! . فقال حضرة شيخنا : أنا لا أقبل هدية أحد ونذره ، فأرسل الثني إلى جمعه وآخذ اللبن بقيمته . فقال التركي : إن اللبن لا قيمة له في الصحراء ولا قدر له هنا . فقال : أنا لا آخذ من أحد من شيء مجانا . ثم قال للخادم : أعطه دينارا شاهرخيا . فأعطاه الخادم إياه ، فطلب اللبن وذاقه ثم شرب منه الأصحاب كلهم ومضوا لسبيلهم . * * * ذكر غنى حضرة شيخنا وتموله في نهاية كماله قال حضرة شيخنا : لما كنت في مبادي الحال بهرة ، وصلت إلى صحبة السيد
--> ( 1 ) الثني : من الإبل الذي يلقي ثنيّته ، وذلك في السادسة ، ومن الغنم الداخل في السنة الثالثة ، تيسا كان أو كبشا . والثنيّة واحدة الثنايا من السّن .